أخبار وطنيةمقالات الزوار

واقعة بولمان…دعوة لنموذج تنموي جديد يأطر الحملات الطبية

الكاتب : أسامة سليمي

حدث في صدر هذا الأسبوع أمر رآه العديد من المتدخلين في المجال الصحي و خاصة العمومي منهم على أنه سابقة في الميدان, حيث أقدمت ساكنة أحد الدواوير في بولمان أثناء حملة طبية نظمتها المندوبية الاقليمية لفائدة قاطني الدوار على احتجاز الأطقم الطبية من أجل المقايضة بها على ظروف المنطقة و لفت الانتباه لمطالبهم الاجتماعية

لكن انطلاقا من تجربتنا في العمل الجمعوي الطبي و التي دامت لبضع سنين و لامسنا بها معظم جهات المغرب قبل ان تتوقف التجربة لإعادة تقييمها, أحب أن أؤكد هنا على أن هذا الحدث لا بد و أن يكون قد حدث بصور أخرى مع العديد من المتدخلين الصحيين من المجتمع المدني, و على الأقل, فقد حدث معنا لأكثر من مرة كانت آخرها محاصرة الأطقم الطبية لعشرات الدقائق مع منعهم من المغادرة و رشق سيارات المتطوعين من الأطر الطبية, الصيدلانية و المنظمين بالحجارة

ثم أحب ان أعرج على أمر بسيط قبل أن أتناول الموضوع بالبسط و التحليل على أن ربما الفرق بين الحالتين هو أن المواطنين قد فطنوا على أن الحملة الطبية ببولمان كانت نشاط عمومي تابع لبرامج الوزارة فكانت ردتهم أعنف من أجل تمرير رسالتهم, بخلاف ردة الفعل التي سجلت ضد الحملات التطوعية التي راع فيها المستفيدون من المواطنين الجانب التطوعي لمواطينهم الذين ارتحلوا من أجل التخفيف من بعض مطالبهم الصحية

لنعود للموضوع مع تفصيل بعض الجوانب التي خلصنا اليها في حصيلتنا الجمعوية المدنية الطبية و التي دامت أكثر من 6 سنوات, اذ بعد 14900 استشارة طبية اختصاصية و عامة تخللها أكثر من 550 فحص بالصدى و التي عرفت صرف حوالي 10800 وصفة طبية بالإضافة لقيام الجمعية بأكثر من 220 عملية ختان و منح 18 كرسي متحرك, و كلها أنشطة نظمت لفائدة المرضى المعوزين توزعت على 11 منطقة متفرقة من شمال و جنوب المغرب, استطعنا من خلالها فهم العديد من الظواهر التي تحكم و تأطر هذا النوع من الأنشطة الأمر الذي أدى بأعضاء المكتب المسير الى طرح سؤال النجاعة, و هو هل حقا كل هذه الانشطة الطبية لفائدة المعوزين كانت ذات قيمة مضافة؟ و هل كانت دات مردودية؟…فكانت الاجابة كما يلي :

ان النجاعة الطبية للحملات الطبية متعددة الاختصاصات بالصورة و الشكل الذي تنظم به يشوبها الكثير من أوجه القصور و مفعولها على المستفيدين ضعيف و ذلك لعدة أمور :

  • علاج الأمراض غير المزمنة من قبيل أمراض الشتاء الموسميةقد يكون أمرا مطلوبا من بين أهداف أخرى, لكن حينما تحدد الجمعية تاريخ القيام بنشاط طبي تكون مدته الحقيقية من الزمن غالبا نصف يوم أو يوم على أبعد تقدير فبديهي أنها لا يمكن أن تحقق بذلك هذا الهدف لانعدام شرط استقرارها في المنطقة, و قد يتصادف وجودها بها فترة يكون فيها كل مواطنيي تلك المنطقة لا يعانون من مثل هذه الأمراض و حالتها العامة جيدة في حين تكون حاجاتهم معالجة أمراضهم المزمنة. هنا يصبح أغلب الوافدين على الحملة الطبية في غير حاجة لخدماتها, مع ادعاء آلام و أوجاع يكون الهدف منها الحصول على بعض الأدوية التي في الغالب ليسوا في حاجة لها و التي تشكل بعد صرفها لهم مصدر خطر خاصة مع حالة الوعي الضعيف التي يكون عليها المواطنين في المناطق النائية

 

  • أما بخصوص علاج الأمراض المزمنة و كذلك تتبع النساء الحوامل, فالنجاعة هنا تكون مضاعفة مع ما لذلك من أثر عظيم على صحة الفرد و المجتمع, لكن للأسف الصورة التي تتم بها الحملات الطبية يشوبها في هذا الجانب قصور كبير من خلال ثلاث أوجه, أولها أن الحملة الطبية مؤقتة و الأمراض المزمنة تلزم التتبع المستمر خاصة في أول كشفها اذ في أضعف الايمان تتطلب المراقبة طبية مرة كل ثلاثة أشهر و هو ما لا يحصل عادة, حيث لا يعود الطبيب الذي كشف على المريض مرة ثانية لنفس المنطقة من أجل نفس المريض, ثم الوجه الثاني مشكل العلاجات و ما تعانيه الجمعيات العاملة في هذا المجال من عدم قدرتها على توفير الأدوية الكافية, اذ القانون يمنع تداول الادوية خارج اطاراتها الصيدلية بالإضافة إلى أن الكميات التي تكون في حوزة الجمعيات في مثل هذه الحملات أغلبها من العينات المجانية للمختبرات الصيدلانية الممنوحة للأطباء و الصيادلة و غالبا ما تكون محدودة و غير كافية لتغطية فترة العلاج اللازمة بالنسبة للأمراض المزمنة و هنا يكمن الخطر, و الوجه الثالث هو أن بالنسبة للمناطق النائية التي تكون قريبة شيئا ما من المراكز, فقد يكون المواطنون يتابعون عند أطبائهم, لكن ما ان يسمعوا بالحملة الطبية حتى تراهم يقدمون عليها لإعادة الكشف من أجل الاستفادة من الأدوية المجانية دون اعلام لا أطباء و لا صيادلة الحملة الطبية بملفاتهم الطبية فيجدون أنفسهم و قد تغيرت علاجاتهم المرة تلو الأخرى مما يؤثر سلبا على حالتهم الصحية 

 

  • ثم نتطرق هنا لحملات الكشف عن الأمراض المزمنة من قبيل السكري و ارتفاع الضغط الدموي و خاصة بالمناطق النائية جدا, و التي في الغالب لا يستطيع ساكنتها من الالتحاق بالمراكز الصحية لتتبع علاجاتهم, ففي مثل هذه المناطق يكون الكشف عن الأمراض المزمنة غير ذي جدوى اذا كانت الجمعية لن تراعي عملية العودة للمنطقة من أجل التكفل المستمر بالمرضى مع توفير العلاجات الكافية من الأدوية, فتصبح هذه الحملات بالنسبة للساكنة التي كانت تحيى يومياتها دون التفكير في خطر مرض قد أصابها سببا بعد النشاط الطبي الجمعوي مهمومة به دون القدرة على التكفل به و هو ما يؤثر بالسلب على الاستقرار النفسي للساكنة بالإضافة الى أنه يخلق للسلطات الطبية حاجة مواطنيها لتداوي عوض اسعادها و التكفل بحاجياتها, اذ حسب مفهوم الصحة عند منظمة الصحة العالمية فهو ذلك التكامل و السعادة التي يحيى بها المرء في توازن بين وجهيها النفسي و الجسدي

فما الحل يا ترى :

  • ان كان هدف الجمعية الكشف عن الأمراض المزمنة مع القيام بحملات التحسيس و التوعية, و هي مهمة نبيلة و وقائية لا شك, مفيدة للمجتمع و القطاع الوصي, من أجل التكفل المبكر بالأمراض المزمنة و محاصرة تعقيداتها, فلا بد لها هنا من الالتزام بأمرين, أن تكون حملاتها في الأوساط الحضرية و إلا كانت قروية يشترط أن تكون قريبة من المراكز الصحية حتى يتسنى للمرضى الجدد تتبع حالاتهم الصحية بانتظام, لكن ان اختارت الجمعية الكشف في المناطق النائية فلابد في هذه الحالة من دراسة قدرتها على الالتزام بالتكفل بالمرضى و متابعتهم المستمرة
  • أم من أجل التدخل الطبي لعلاج الأمراض المزمنة و تتبع صحة المرأة و الطفل يلزم أن تلتزم الجمعية في هذه الحالة بزيارة نفس المنطقة كل مدة من الزمن و هنا يمكن التنسيق مع الوزارات الوصية على الميدان من أجل ايجاد الصيغ المناسبة و المتاحة مع مراعاة الاطار التطوعي لهذه الجمعيات
  • التفكير في اطار قانوني خاص بتأطير الجمعيات الطبية, لا يلزم أن تكون لها الصفة القانونية لجمعيات النفع العام, لكن يكفل بطريقة مدروسة العمل التطوعي بتوافق تام مع القانون

 في حين تبقى الحملات الجراحية و حملات طب العيون مع توفير النظارات من أنجح و أنجع الحملات الطبية عكس الحملات الطبية الدوائية التي تبقى تعاني من اوجه القصور التي فصلناها فيما سبق

 

الدكتور أسامة المحمدي السملالي سليمي

المستشار الأول بمكتب جمعية جميعا من أجل التنمية و البيئة 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق