صحة

لا تغضب

بقلم :أسامة سليمي

يرتبط الجهاز الشعوري عند الإنسان ارتباطا وثيقا بالجهاز العضوي عبر ميكانيزمات كيميائية و هرمونية معقدة. 

هذا الارتباط يبقى عصيا على الفهم سواء بالنسبة للإنسان العادي كما بالنسبة لمن لهم إلمام بالمسائل الفلسفية التي تعالج نقطة التقاء النفس مع الجسد, أو تلك صلة الوصل التي تجمع بين الفكر و المادة. هذه النقطة بالذات قد تكون المسئولة عن فكرة عميقة بالعقل البشري تربط المرض كاختلال مادي بالمادة فقط, أي لا يمرض مادة الجسد إلا المادة الملموسة مثله كالميكروبات, اختلال الوظائف العضوية, الأغذية و المواد ضارة أو ربما نمط عيش الغير الصحي. 

لكن الذي يفوت الكثير من الناس هو أنه تبث في الطب بما لا يدع مجالا للشك أن الصحة النفسية و السعادة الداخلية هي من أهم المعطيات الإنسانية التي تتحكم في الوضعية الصحية للإنسان عن طريق أعضاء و غدد حساسة, تتحسس للشعور فتستجيب بايجابية للفرح و الغبطة و السرور كما تستجيب بسلبية للحزن و القرح و الهم, و لها تأثيرات صامتة, لكنها قد تكون بالغة الخطورة. 

القلق, الفزع, الرغبة في الانتقام, الغيرة, الحسد, الطموح المبالغ فيه, عدم الرضا عن النفس, انعدام القناعة, الرغبة فيما عند الغير, حب التعالي و الظهور بالإضافة إلى أتعاب الحياة اليومية و المشكلات الاجتماعية كلها صارت من أمراض الزمان…هذا الانعدام المزمن في القناعة يضع الإنسان في حالة من الإجهاد المستمر و له بالتأكيد أضرار على صحة الإنسان البالغ كما على الطفل الذي يعاني من سوء المعاملة سواء بالبيت أو بالمدرسة. 

هذه المشاعر السلبية يتحسسها الجسم بطريقة كيميائية تكون المسئولة عن ظهور العديد من أمراض العصر كالسكري، ارتفاع ضغط الدم، السمنة، ضعف الجهاز المناعي أمام الأمراض التعفنية, و قد يتطور الأمر لأمراض مناعية-ذاتية كمرض القولون و الايكزيما، الصداع و الصداع النصفي، مشاكل الجهاز الهضمي، قلة النوم و الأرق، التبول اللاإرادي عند الأطفال و غيرها من المشاكل التي تبقى أسبابها عصية عن التشخيص العضوي.

الإحساس السلبي طالما نصح الإنسان بتجنبه أو تجنب الوقوع فيه كونه من الناحية النفسية على الأقل يمنع الشخص من التفكير, يظلم عليه الحياة, و يحجب عنه نصف الكأس المليء مما يصعب عليه إيجاد الحلول فتكون العاقبة وخيمة. أما من الناحية الصحية فقد أتبث الآن بوضوح تام كيف تكون الآثار الخطيرة للضغط و الإجهاد و القلق المزمن على صحة الإنسان.

و يبقى تجنب الإجهاد الناجم عن الحياة هو بالقناعة و الرضا بالنفس و حسن الظن بالناس و تقبل الآخر و تفهم أوضاع الآخرين و البحث عن السعادة عوض البحث عن المشاكل و تضخيمها و رؤية الأمور نضرة ايجابية إذ كل شيء بالحياة لابد و أن له جانب ايجابي براق لم ننتبه له بإرادتنا يمكن الاستفادة منه لصالحنا.

و يبقى جعل نمط العيش صحي على رأس الأساليب المطلوبة للتخفيف من عبئ الحياة كاللجوء للرياضة أو للهوايات المحببة, الاسترخاء, الترفيه عن النفس بما يناسب, الأكل الصحي, كما يمكن الاستفادة من مفعول بعض مشروبات النباتات المهدئة و غيرها و يبقى اللجوء للأدوية ضروريا في بعض الحالات الصحية التي تكون الحاجة فيها للتدخل الطبي ضرورية.

و خير ما نختم به هذا المقال قول رسول الله صلى الله عليه و سلم لرجل قال له أوصني يا رسول الله قال : لا تغضب

يقول سبحانه و تعالى : وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين -133- الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين -134- والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون -135- أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين -136-  سورة آل عمران 

 

أسامة سليمي السملالي المحمدي

صيدلاني – صيدلة سريرية / علم المناعة المعمق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. Merci Dr. Oussama. C’est très intéressant. On apprend avec toi et on se souvient des choses oubliées ou qu’on à déjà vu mais qui ne restent plus gravées dans nôtre mémoire.
    Merci milles fois.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق