مقالات الزوار

الهوية وصراع اللغات!!

بقلم ضمير عبد اللطيف

مما لا جدال فيه ان العالم اليوم بكل أطيافه وتلويناته يعيش صراعا كبيرا على مستوى اللغة والهوية والدين،فالعالم تكثر فيه الهويات وتتزاحم فيه اللغات،وتفرقه كثرة الأديان والمعتقدات،وكل شخص في هذا العالم الواسع يريد أن يتبث هويته ولغته ودينه على حساب هويات واديان ولغات أخرى،ناسيا او متناسيا أن اسمى ما في الحياة هو ذلك الإختلاف،فلو أراد الله الحياة على نحو واحد لخلقها كذلك، فهو غير عاجز عن فعل هذا الأمر. لقد عرف الإنسان منذ النشأة والى اليوم وسيظل حتى نهاية الكون، صراعات خطيرة على مستوى اللغة والهوية،هذا الصراع الذي نعيشه اليوم يقود العالم كله نحو الدمار والخراب،فمناطق من العالم ابيدت لغتهم الأم ولم نعد نسمع عنها بسبب غطرسة الإستعمار، ورغبته الكبيرة في ترسيخ لغته، وأخص هنا دول امريكا الجنوبية،بل و أمريكا كلها ودول أفريقيا جنوب الصحراء وأجزاء كثيرة من دول آسيا. إن المتمعن اليوم في لغة هذه الدول سيستغرب لا محال كونها تتحدث البرتغالية أو الإنجليزية،أو الإسبانية،وبدرجة اقل اللغة الفرنسية،وسيطرح السؤال التالي:اين اختفت لغة هؤلاء الأصيلة؟. ان الجواب على هذا السؤال يرجع بنا الى مرحلة مهمة من التاريخ البشري،مرحلة الاستكشافات الجغرافية والغزو الإمبريالي الذي قامت به الدول الأوروبية،فحضارة المايا والانتيكا والهنود الحمر وغيرها من الحضارات التي شكلت لغات بكل من افريقيا واسيا وأمريكا،محاها المعمر الأوروبي واوجد اللغات اللاتينية والهندو أوروبية،فبدأت اللهجات واللغات الأصلية تموت رويدا رويدا،ومع تزايد الطلب على اللغات الجديدة التي رسخها الإستعمار،وصعود أوروبا اقتصاديا وصناعيا وفكريا،انمحت هذه اللغات تماما،حتى إننا اليوم بالكاد نستطيع التمييز بين البرتغالي والبرازيلي،او السنغالي والفرنسي مثلا. بزوال هذه اللغات واللهجات الأصلية بدات هذه الدول تفقد السيطرة على الثقافة بكل أنواعها،سواء ثقافة الأكل أو اللباس او غير ذلك،فالإنسان الأوروبي اضحى مثله مثل باقي الناس في العالم،لقد زرعوا ثقافتهم عن طريق توريث اللغة وغرس جدورها،فباتت ضاربة اطنابها في كثير من الدول وقضت على العديد من الحضارات القديمة. وها نحن اليوم نستثني شمال أفريقيا القريب من أوروبا والذي تعرضت دوله الى الغزو الإمبريالي مرات ومرات،وبالرغم من كل هذا ما تزال اللغة العربية العربية،اللغة الأم واقفة تقاوم هذه الموجة الجديدة،او هذا الإستعمار الفكري غير المباشر الذي يهدف الى طمس معالم وحضارة هذه الدول والقضاء على لغتها الأم،حتى يتمكنوا من القضاء على الدين الإسلامي الحنيف . إن تمسك دول شمال أفريقيا بلغتهم العربية بالرغم من كل المحاولات،يرجع بالأساس الى تمسكهم بالدين الإسلامي،بالقرآن الكريم الذي أنزل بلسان عربي مبين،لذلك فإن جل بل كل محاولات فرنسا وغيرها ممن تعاقبوا على احتلال شمال افريفيا باءت بالفشل،وظلت اللغة العربية قائمة. ان الدول الأوروبية وكغيرها من المستعمرين كان همها الوحيد الى جانب القضاء على الدين والهوية،ترسيخ لغاتها الأوروبية،ما يسهل عليها استعمار هذه البلدان بطريقة غير مباشرة ودون تدخل عسكري،فالإنسان الفاقد للغته وهويته هو في حاجة ماسة إلى بديل،أي أنه سيبقى مرتبطا بهذا البديل ولن يستطيع العودة الى الأصل او تغييره،لقد انصهر في ذوات اخر،ولبس حلة جديدة،هنا سيصاب بنوع من الدوار،بل سيتيه تيها كبيرا ويفقد كل شيء ويظل تابعا فقط،مسيرا لا قائدا،فكلما فقدت هويتك ولغتك سهل على الآخر قيادتك،وهذا ما تسعى إلى ترسيخه كل من فرنسا وانجلترا واسبانيا وغيرهم من الدول. فرنسا كنموذج في افريقيا تحاول ان تقدم نفسها على انها النموذج الأنجح بالرغم من الانتحار الذي تعيشه لغويا وثقافيا واقتصاديا،لكنها ككل الغزات لا تريد الاستسلام وتحاول بشتى الطرق ان ترسخ ثقافتها ولغتها،أحيانا عسكريا اذا تطلب الأمر ذلك،مخافة أن تفقد مكانتها في القارة العذراء التي تعيش على خيراتها،فكثير من هذه الدول الإفريقية المفرنسة فقدت لغتها وهويتها،ولم تعد لها معالم إفريقيا التي قرأنا عنها في كتب التاريخ،الإنسان الأفريقي يدرس أبناءه الفرنسية وفي مدارس فرنسية،لباسه فرنسي ،أغلب مقتنياته فرنسية،يتحدث في بيته اللغة الفرنسية،في مدارس بعض الدول لم نعد نتحدث عن لغة ام بتاتا كل ما يتم تدريسه فهو فرنسي بالدرجة الأولى،بل ان الذي لا يجيد التحدث بالفرنسية لا قيمة له في المجتمع،فسياسة هذه البلدان وبرامجها خاضعة لفرنسا تماما. ان فرنسان كغيرها من الدول الإمبريالية رسخت طبقة من المفرنسين الذين يدافعون بشراسة عن الفرنسية،في اوطان أفريقيا لكي تظل باسطة سيطرتها على هذه الدول الإفريقية،فجل المناصب الإدارية الكبرى في هذه البلدان أصحابها هم من خريجي الجامعات الفرنسية،بل إن مناصبهم بتوصية فرنسية،لانهم سيدافعون بكل بساطة على النموذج الثقافي الفرنسي وعن لغة فرنسا. اننا اليوم نعيش صراعا حقيقيا على مستوى اللغة والهوية ،فكلما تكلم الإنسان بلغة ما إلا وتشبع بثقافتها واضحى بدون تفكير تابعا لها،يتحدث عنها وبها،هذا الصراع سيقبر لغات أخرى ولن تبقى إلا اللغات القوية التي يمتلك أصحابها هوية وثقاة،وقدرة على الصمود،إننا بإختصار نعيش في عالم الصراعات القاتلة،البقاء فيه للاقوى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق