صحةمقالات الزوار

الطب في الحقبة الإسلامية-العربية … أسرار الإعجاز و ظروف الانجاز

الكاتب : أسامة سليمي

يعتبر الطب العربي-الاسلامي من أهم انجازات الأمة في حقبتها المزدهرة و هو من أهم مميزاتها الناتجة عن ما قدمه الإسلام من قواعد هامة كان لها الفضل في ازدهار العلوم كل العلوم في حضارته و عهده و التي نلخصها في 6 نقاط هي كالآتي :

1- تحرير الفكر من الأوهام و حثه على التساؤل و التفكر في مواضع كثيرة من الذكر الحكيم, يقول تعالى في سورة محمد ص الآية 24 : أفلا يتدبرون, إذ جعل العلم و إعمال العقل البشري من السبل العظمى لمعرفة الخالق عز و جل و تقوية الإيمان به من خلال فهم تجليات قدرته في ظواهره الطبيعية الخاضعة لأنظمة محكمة و متقنة التركيب لا تقبل الخطأ و لا العشوائية في التكوين مما يبطل بالبرهان القاطع و الحجة الساطعة فكرة القيام على الصدفة في الخلق كما يأتي بذلك الملاحذة, إذ تستحيل الصدفة في مثل هذا الكون المحكم المنظم, و لأجل ذلك يقول سبحانه إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ – فاطر 28- فكان الإسلام العملة التي تحقق من وجهيها العلم و الإيمان, التوازن النفسي عند الإنسان, بين المادة و الفطرة, و ممكنة إياه الازدهار و الحكمة.

2- ثم يأتي أن يترتب عن النقطة الأولى التأسيس لقاعدة شاملة في العلوم التجريبية و هي أن لكل شيء سبب و أن ترك الأسباب من الشرك بالله و من هذه القاعدة الدعوة للبحث عن العلاج لأن : لكل داءٍ دواءٌ، فإذا أُصِيبَ دواءُ الداء، بَرَأَ بإذن الله عزَّ وجل كما قال رسول الله عليه الصلاة و السلام و قد نهى صلى الله عليه و سلم في الآن نفسه عن التداوي بما حرم كالخمر و الخنزير و غيرهما, كما يدخل هذا الأمر في قوله تعالى : و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة -سورة البقرة -195, و قد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يتداوى و يطلب الأطباء سيراً على نهج الذكر الحكيم الذي دل في كثير من آياته  على مجموعة من المواد الطبيعية و الطرق العلاجية من أجل التشافي.

و في إطار العمل بالأسباب فقد تبث إكلينيكيا استجابة المريض لمفعول الدواء بمجرد الظن أنه قد تناوله و أنه قد يكون السبب الذي فيه علاجه المنتظر و هو ما يعرف عند علماء الدواء و الطب بمفعول البلاصيبو PLACEBO و يمكن لهذا المفعول النفسي أن يدخل في إطاره ثقافة -دير النية- و –دير السبب و الكمال على الله- في مجتمعنا المغربي.

3- ثم تبرز هنا أهمية الصحة في ظل الحقبة الإسلامية التي أتت فيها الملة الحنيفية بأدلة كثيرة و نصوص بديعة تحفظ على الإنسان صحته, إذ حظيت صحة البدن في مفهوم الشرع الحنيف بأسمى العناية و التشريف, على عكس الملل الأخرى, إذ جسم الإنسان هو وسيلته لآداء العبادات الربانية التي وجب من أجلها تقوية البدن و العناية بجماله و طهارته, كما يعتبر حفظ حياة الإنسان من أسمى الأعمال التي يتقرب بها ممارسي الطب من البارئ عز و جل حين قال سبحانه : و من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا -سورة المائدة 32- فكانت كلها دوافع علق عليها العلماء الذين جعلوا من الطبابة بفروعها المتشعبة من خيرة العلوم و الممارسات التي يربح به الممارس لها أجر الدنيا و أجر الآخرة و من تم كان الحث على تعلمها و إتقانها من أبرز سمات النهضة الإسلامية العربية.

4- ثم يأتي الدور البارز لتشجيع رسول الله صلى الله عليه و سلم الصحابة على تعلم لغات الأمم السابقة و الاستغناء من معارفهم الأمر الذي شكل نقطة فارقة في اكتساب علوم الحضارات السابقة و تمحيصها, نقذها و فحصها, تبني المعقول منها و رفض الخرافات الفلسفية العقيمة ثم البناء على ما صح من ذلك و اغناء العلوم باكتشاف الجديد.

5- دون أن تهمل هذه القواعد المادية ضرورة التوكل على الشافي جل في علاه و ما لذلك من أثر على الجانب النفسي للمريض و من أول هذه القواعد الإيمان بالقضاء و القدر و قد أظهرت الدراسات ما لقدرة الإيمان بالله و التوكل عليه و التفائل بالشفاء من أثر ايجابي ثابت كيميائيا على مناعة الإنسان و نفسيته مما يساهم في مقاومته للداء. كما أكدا في المقابل القرآن و السنة على خطر الشك و الخوف و الغضب و الاضطراب النفسي على صحة الإنسان حينما أوصى رسول الله صلى الله عليه و سلم بعدم الغضب و هنا إعجاز بياني أتبثه العلم إذ أن الغيظ يضعف المناعة التي تفقد بذلك قدرتها على السيطرة على الخلايا المرضية طبيعية التكون إذ يقول سبحانه للمشركين: قل موتوا بغيظكم -سورة آل عمران 119-.

6- و على اثر ذلك تؤسس هذه المبادئ لمفهوم مهم جدا و هو الصحة النفسية إذ في تعريف منظمة الصحة العالمية, الصحة عند الإنسان هي حالة من الاستكمال البدني و النفسي و الاجتماعي الذي يمكنه العيش بسعادة و من أسباب هذه السعادة, التكافل الأسري و المجتمعي مع المريض و عيادته قصد التخفيف عنه و هو أمر يقوي من عزيمته لاشك في مجابهة المرض, و كلها مبادئ ضمنتها السنة النبوية لمرضى هذه الأمة قبل آلاف السنين.

فكانت كلها شروط و ظروف أنضجت البدور الأولى للمعرفة الطبية الشاملة عند علماء الأمة على أسس منهجية و ضوابط علمية أسست للنهضة بأن غدت شغف في دواخل المسلم الذي أول ما نزل له من كلام الله : اقرأ – العلق : الآية 1 – و هو القائل عز و جل : و هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون- الزمر : الآية 9.

 

أسامة سليمي

صيدلاني في علم المناعة المعمق و الصيدلة السريرية

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫5 تعليقات

  1. السلام عليكم. سأبدأ من حيث انتهيت : و هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمو ﻷقول نورت عقولنا بمقالات قلما وجدنا نظيرها تجمع بين العلم و الدين بأسلوب لا نمل من القراءة ونستمتع بأسلوبك السلس و الرائع و الممتع. لا تبخل علينا بالمزيد و نتمنى لك الاستمرارية.

  2. انا من متتبعي مقالتك النيرة كل يوم تفاجئنا بموضوع جديد يستحق القرائة حفظك الله ورعاك و مزىد من التالق والنجاح

  3. شكرا جزيلا اخي الكاتب والدكتور الصيدلاني الناجح و المبدع م
    مقالاتك في قمة الروعة و الاتقان أسلوب جيد و مبسط
    حتى يتمكن جميع القراء فهم المحتوى
    أتمنى لك المزيد من التألق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق