صحة

إما مواطن مسؤول و إما جائحة كاسحة

الدكتور سليمي أسامة

هل هي حرب عالمية ثالثه سلاحها بيولوجي، تنبأت بها أو لعلها حذرت منها كتب و مؤلفات، أفلام و منتديات  و ذلك من قبل عشرات السنين، هل هي طفرة من الحرب الباردة حدثت في الحمض النووي الفيروسي، هل اجتياحها العالم الأوروبي و الأمريكي رد اعتبار، هل تعد من بين الأوبئة التي تظهر على رأس كل المئة سنة كجزء من خطة عالمية لا يعلم أحد أسرارها، أم هو وباء نتيجة تفشي عادات غذائية سيئة لا تذر من المتحرك على وجه البسيطة إلا أُكِل و نتيجة للحرية الغذائية المتوحشة، أم ربما عقاب رباني، كل هذا لا يهم اليوم و كلها أطروحات محترمة لها أهلها و كل من أي الزاوية يرى مصابه.

 

إن الخوض في خصائص الفيروس و في أسرار الوباء لا ينبغي أن يشغلنا اليوم عن اللازم فعله…إنها الجائحة، عقولنا لا نحتاجها اليوم في التحليلات و التفسيرات و تصديق الاشاعات و الخضوع للرهاب و الإحتكار؛ عقولكم معشر القراء نحن اليوم في أمس الحاجة لها، حتى تتخذ اجراءات الوقاية و السلامة مجراها و نكون خير مثال للحكمة القائلة “درهم وقاية خير من قنطار علاج”.

غيرعلمنا ببؤرة انطلاق الفيروس، لا أحد يملك الحقيقة الكاملة و حتى الدراسات التي تجرى الآن لن تكون نتائجها متاحة للعلماء قبل أسابيع أو شهور، و لا بد للأمور أن تأخد نصابها، فالشائعات دوائها واحد و هو الالتزام المطلق الذي لا محيد عنه بمصادر المعلومة من المؤسسات المخولة بذلك كمنظمة الصحة العالمية و وزارة الصحة اذ غير ذلك فهو هراء و رهاب؛ أما أجهزة الدولة فتتصدى لهذا المصاب بكفاءة و لا خوف على المجتمع إلا من تصرفاتنا نحن المواطنين.

حسب آخر المعطيات في وطننا المغرب فقد قارب عدد الماصبين بكوفيد 19 إلى غاية الأحد 15 مارس الثلاثين مصاب و تواصل اكتشاف الإصابات محتمل جدا إن لم تتضافر جهود المواطنين مع جهود أجهزة الدولة، فقد تم تأجيل كل التجمعات من منتديات و مؤتمرات و الاجتماعات التي يتعدى عدد المدعوون إليها الخمسين شخصا بما في ذلك دور السينما و المتاحف و شبيهاتها كما ألغيت الدراسة إلى أجل غير مسمى مع توفير امكانية الدراسة عن بعد، في حين ألغيت عطل أطر الصحة و أخضع ايقاع الزيارات العائلية في المستشفيات للمزيد من الضبط كما تم منع دخول غير المعنيين لفضاءات المحاكم بالإضافة لتوفير الخدمات الالكترونية عن بعد ثم الاعلان في آخر الاجراءات عن الاغلاق التام للمجال الجوي المغربي و الأمور لازالت تتطور بسرعة و لازم على المواطنين مواكبتها بجدية في الوقت الذي أصبحت فيه الوضعية الوبائية العالمية محرجة.

إذ في الوقت الذي أعلن فيه مساء يومه السبت 14 مارس عن قيام الوزارات الوصية بتقنين أثمنة و مسالك توزيع الكمامات و سوائل التعقيم و هو الاجراء الذي سيصير سائر المفعول بعد نشره بالجريدة الرسمية يوم الثلاثاء 17 مارس 2020، فإن عملية التعقيم و الحرص على تفادي الإصابة تتطلب الإلتزام من كل أفراد المجتمع بما يمليه علينا الوضع الحالي من قبيل :

  • الحرص على النظافة المستمرة للأيادي و لو بالماء و الصابون ؛
  • تفادي التصافح و السلام بالوجه و المحادثات وجها لوجه دون احترام مسافة الأمان ؛
  • تفادي الاكتظاظ بما فيه داخل المصاعد و التشجيع على استعمال السلالم ؛
  • تقليل التلامس مع كل الأسطح ما أمكن ؛
  • تفادي استعمال أحجار التيمم المتواجدة بالمساجد ؛
  • منع كل الاجتماعات إلا للضرورة القصوى جدا مع احترام الإحترازات الوقائية اللازمة ؛
  • التقليل من التنقلات ما أمكن مع استعمال وسائل النقل الخاصة بدل وسائل النقل العمومية ؛
  • أن يلتزم أصحاب الأمراض المزمنة و أمراض الحساسية و المناعة و المسنون و النساء الحوامل و الأطفال بالحد ما أمكن من مخالطة الناس إلا للضرورة ؛
  • الالتزام بالبيت في حالة الاصابة بالأنفلونزا مع اتخاذ إجراءات وقاية الأهل و الاتصال بالسلطات المختصة إن لزم الأمر ؛
  • عدم تناول الأدوية دون استشارة مهنيي الصحة و خاصة الإمتناع إطلاقا عن تناول مضادات الإلتهاب و خاصة الإبيبروفين و الأسبيرين و مثيلاتها و هي متوفرة على شكل أقراص و كذلك على شكل مسحوق في أكياس الزكام لأنها تزيد من الحالة المرضية لمستويات قد تتطور لمضاعفات خطيرة ؛
  • الحد من الزيارات العائلية إلا للضرورة ؛
  • الالتزام بالبيوت في أيام العطل و تفادي المنتزهات و السفر في هذه الظرفية ؛
  • كم ينبغي على المؤسسات أن توفر لمستخدميها كافة وسائل الحماية بالمقرات العمل من قبيل المناديل الورقية و معقمات الأيادي مع الحرص على تجهيز و تعقيم المرافق الصحية.

و قد أعلن في آخر الاجراءات من خلال بلاغ للديوان الملكي مساء الأحد 15 مارس 2020 أن الملك محمد السادس نصر الله أعطى تعليماته للحكومة، قصد الإحداث الفوري لصندوق خاص لتدبير ومواجهة وباء فيروس كورونا. وسيخصص هذا الصندوق، الذي ستوفر له اعتمادات بمبلغ عشرة ملايير درهم، من جهة، للتكفل بالنفقات المتعلقة بتأهيل الآليات والوسائل الصحية، سواء فيما يتعلق بتوفير البنيات التحتية الملائمة أو المعدات والوسائل التي يتعين اقتناؤها بكل استعجال. ومن جهة أخرى، سيتم رصد الجزء الثاني من الاعتمادات المخصصة لهذا الصندوق، لدعم الاقتصاد الوطني، من خلال مجموعة من التدابير التي ستقترحها الحكومة، لاسيما فيما يخص مواكبة القطاعات الأكثر تأثرا بفعل انتشار فيروس كورونا، كالسياحة وكذا في مجال الحفاظ على مناصب الشغل والتخفيف من التداعيات الاجتماعية لهذه الأزمة”.

و كل هذه القرارات إنما تأتي في وقتها الناسب على عكس التهاون الذي تعاملت به معظم الدول الأوروبية في مواجهة إصابات الكورونا المستجد الوافدة على أراضيها، و خاصة في المجتمعات المعروفة بلهو شبابها و ازدهار السياحة و مراكزها التجارية كإيطاليا، إسبانيا و فرنسا دفعت ثمنه غاليا و جيرانها حتى صار إقفال المجال الجوي المغربي أمام هذه الجائحة الآسيوي-أروبية أمرا لابد منه أعلن رسميا يوم الأحد 15 مارس.

لقد أعلنت كل الدول الثلاثة السابقة الذكر حالات الطوارئ و الحجر الصحي بعد أن استفحل الأمر و من أسباب نذكر نقطتين هامتين :

أولاهما تهاون المجتمع مع الجائحة و عدم الالتزام بإجراءات الحماية

و ثانيهما، التأخر الكبير لهذه الدول في اتخاذ الاجراءات الضرورية مخافة الاضرار بالاقتصاد، اذ يجب الأخذ بعين الاعتبار بأن عدد الحالات المكشوف عنها و المحققة هي في الحقيقة الشجرة التي تخفي الغابة التي ستظهر على اثرها أعداد العدوى بعد أسبوع أو أسبوعين بأرقام قد تتجاوز أضعافا ما أعلن عليه في بادئ الأمر.

الوضع على الضفة الشمالية للمملكة محرج للغاية و من الأولويات التي وجب التركيز عليها التوعية الاجتماعية و السهر الحثيث على التزام المجتمع بكل افراده بكل ما تمليه علينا روح المسؤولية و الوطنية لأنه باختصار لا مجال للمخاطرة و لا مجال للخطأ بعد اللحظة.

و ستبقى الأسابيع القليلة القادمة حاسمة تتطلب منا كل التعبئة و المسؤولية و الالتزام تفاديا لسيناريوهات الصين، ايطاليا كوريا الجنوبيية، إيران و فرنسا.

تجند المواطن وراء المؤسسات ضرورة قصوى و صمام أمان.

نستغفر الله العلي العظيم و نتوب إليه و نعوذ به من البلاء و الوباء و نتضرع إليه بأن يحمينا و يرفع عنا هذا المصاب الجلل و يقينا غضبه و يغدق علينا برضاه و معافاته…إنه مع الأخذ بالأسباب و الاكثار من الطاعات و الاستغفار و العودة لطريقه القويم هو مولانا و الكفيل بأمرنا عليه نتوكل و به نلوذ هو ربنا سبحانه نسأله العافية و المعفاة.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق